بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

«

»

جان فـِلبي PHILBY كان جارنا في مكة

طباعة مقالة

  0 676  

جان فـِلبي PHILBY كان جارنا في مكة





جان فـِلبي PHILBY كان جارنا في مكة
د.إبراهيم عباس نــَتــّو*

كان فـِلبي HSJ PHILBY ساكنا في الدار المجاورة لصيقاً لدار جدي لأبي (بكر) في حارة الهنداوية، في مكة المكرمة.

كان دار جدي غير بعيد عن منطقة ‘الشـُّهدا’ التي لم تبعد عن منطقة (البيبان)..بابا مكة الرئيسيان و كانا مكونين من عقدين كبيرين، احدهما يولج من خلاله الى منطقة حي الزاهر ثم الهنداوية و التيسير فحارة جـَروَل المُوصلة الى حارة الباب باتجاه المسجد الحرام.
و كان مسكن المستر فِلبي ذاك في دار العم اسماعيل دَهلوي الذي كانت له بالبيت جارية حبشية تأتي من جهة الحوش الأعلى للدارين لتناول الشاي (شاهي.العصُر) عند جدتي (مريم صالح ناغي. (وجدت تلك الجارية ذات يوم ميتة في حمام في دلك البيت).

اتصور ان سني كان في حدود السابعة؛ و حدث ان كنت العب في الحوش الأسفل لدار جدي، حيث كان عدد من الدجاج، و عنزة و تيس و حملان لهما، إضافة إلى حمار لجدي و حصان لعمي (أمين، الأخ الأكبر و الوحيد لوالدي).

و كأني سمعت ذات ضحى صوتاً غريباً كان يتعالى من خلف الجدار الواصل.الفاصل بين الدارين؛ و كان فعلاً صوتاً غير اعتيادي عليّ؛ فقد كان حديثا بالانگليزية و على مذياعاً (جهاز راديو)؛ و كان دلك الراديو مثبـّتاً على سيارة الجار المستر (الحاج عبدالله) فِلبي؛ و اسمه الحقيقي: HSJ PHILBY
و عند بلوغي حوالي سن الأربعين و بعد اطلاعي على بعض كتبه، عرفت كامل اسمه:
Harry Saint-John PHILBY؛
حيث (هاري) يطابق اسم الولد الثاني لچارلز، ولي عهد بريطانيا؛ و سينت.جان يعني القديس يوحنا.

يبدو أنّ ما كان ينصت اليه السيد فلبي كانت نشرة الأخبار على محطة الإذاعة البريطانية، BBC، ألبي.بي.سي.

علمت بما كان يجري حين دفعني فضول الطفولة لتتبع مصدر ذلك الصوت الغريب بجوارنا في حوش/فناء دار جارنا العم اسماعيل دَهلوي، ما دفعني لتسلق جدارنا المشترك؛ و اذا بي اشاهد المستر فـِلبي بينما كان يصغى الى نشرة الأخبار.

و لكني سرعان ما نزلتُ من على الجدار، نتيجة خوفٍ طفوليٍ من ان أكتشف و انا مُطلٌ من فوق جدارنا على حوش جارنا.

و اذكرُ ان السيد فـِلبي كان ينصت واقفاً امام باب سيارته الجيب (لعلها عسكرية و من ماركة (فورد)، التي -علمت في سِني مشيبي انه كان قد حصل هو على إمتياز وكالتها في عموم المملكة (ثم آلت الى بيت التجارة الشهير بجدة: شركة عبدالله علي-رضا).

كان المستر فـِلبي ينصت لمذياع السيارة بينما مقدمة السيارة نحو مسكنه، و هو فاتح بابها الأمامي الأيمن تجاه دارنا، و من خلاله كان يصلني الصوت.

(كان اقتناء المذياع/جهاز الراديو احد الكماليات البارزة في بيوت مكة..بما يشبه اقتناء التلڤاز في أيامنا الحاضرة، و كان يعمل على بطارية ذات عدة ‘عيون’ يتم تعبئتها بسائل كيماوي (موية النار) و شحنها بصفة دورية في مثل طاحونة حسن گرملي بحارة الشبيكة. و كان كثير من الناس بمكة و ما حولها يتابعون إذاعة ‘هنا مكة’، بينما كان جُل المثقفين يحرصون أيضاً على الانصات الى إذاعة ‘هنا لندن’ على ‘الموجة القصيرة’ في تمام الساعة التاسعة و ٤٥ دقيقة ليلياً، حين موعد بث نشرة الاخبار باللغة العربية (و كان جلالة الملك فيصل من أولئك المتابعين الحريصين!
و يبدو ان المستر فـِلبي يميل الى مذياع سيارته فلعله كان اقوم، و بطاريته أدوَم!

حين رأيت المستر فِلبي اثناء استماعه إذاعة ألبي.بي.سي كان لابساً ثوباً و معطفاً و شماغاً أسوداً و عقالاً. و اتصور ان كان ذلك في فترة ضحى او ظهيرة.. (و في يوم جمعة حين كان جدي يأخذني لقضاء (عطلة نهاية الأسبوع) التي كانت على أيامنا ليوم و نصف بالنسبة للدوام المدرسي (يوم الجمعة و نصف الخميس، بينما كان الخميس يوم عمل كامل في عموم المجتمع).

و لعل المستر فـِلبي كان يتهيؤ للخروج إمّا الى القصر الملكي (كان مستشاراً لجلالة الملك عبدالعزيز، و استمرت مستشاريته في الديوان الملكي حتى اوائل عهد جلالة الملك سعود الذي عزله بُعيدَ توليه منصبه)؛
أو انه كان متجهاً إلى صلاة الجمعة بالمسجد الحرام (تبنىّ المستر فـِلبي اسم ‘عبدالله’ بعد أن أعلن إسلامه)؛
او أنه كان سيتجه صوب الثكنة العسكرية (القـَشلة، كلمة تركية= الثكنة العسكرية/كِشلاك)، و كانت قريبة منا؛ و كانت للسيد فـِلبي رتبة عسكرية بالجيش البريطاني.

و بعد لحظات مشاهدتي جارنا في حوش الدار الملاصقة لدارنا، سرعانَ ما نزلتُ من على ذلك الجدار؛ و أسررت ما شاهدت الى حين لاقيت جدي.. و أخبرته بما رأيت و سمعت، فقال لي انه الخواجة فـِلبي Philby.

*عميد سابق بجامعة البترول

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkah-now.com/467276.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

موبايلي
وسيط مكة الآن
تطبيق مكة الآن
نبض