بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

«

»

مؤسساتنا بين حمورابي وانهيار الثقب الأسود 2-2

طباعة مقالة

  2 432  

مؤسساتنا بين حمورابي وانهيار الثقب الأسود 2-2





مؤسساتنا بين حمورابي وانهيار الثقب الأسود 2-2
عبد الرحمن بن سليمان السويد*

 

إن العراق مطبخ ثري للغاية، ويتمتع بالنقاوة ويروق لذوي الثقافة العالية وأصحاب الذوق الفني كما يذكر “ألن سبيقل” في مقالة حمورابي والرعاية الصحية المرشدة، كاشفاً عن أبرز المفاهيم الحمورابية – تحديد التغطية السكانية وتأسيس قائمة رسوم الخدمة، واعتماد مؤهلات الاطباء، وكذلك مصاريف الدواء، كما أسس نظام الإحالة، وتطرق إلى مفاهيم وتطبيقات الجودة، والمخرجات، والعقوبات، بل اعتمد على التوثيق من خلال استخدام السجلات الطبية كما أنه أول من سن نظام إيقاف الأطباء من ممارسة الخدمة، وأوجد حقوق المرضى وكذلك أول من أدخل رضاء المرضى عن الخدمة، واستبعاد المرضى، التسويق والإعلان، الأجر المبني على النتائج -. أما جوديث ليفن فقد أكد قبل 4000 آلاف عام تقريباً :(ورث شاب يدعى حمورابي مدينة صغيرة تسمى بلاد بابل التي كانت مهمشة ببلاد ما بين النهرين انطلقت مدرسة تاريخية سبقت عوالم الرعاية الصحية المرشدة بوضعها تشريع ألهمت عالم اليوم وبقيت بها بابل لألف عام وأكثر رغم أنه كان سياسياً ودبلوماسيا ومحاربا فقد أثرت تشريعاته المنقوشة على القوانين المستقبلية للمنطقة ومن ثم العالم الغربي) بتلك المواصفات ينعم الإنسان بخدمات صحية أكثر من جودة.
بل، ونجد أن عجز الإدارة عن تلبية حاجات المجتمع والمنظمات، رغم زيادة الموارد، لذلك وبعد دراستنا المستفيضة لحالنا العالمي كمثال لمعرفة العلاقة الكفاءة الإنتاجية منذ1970إلى 2018م، وجدنا أن زيادة الموارد في القطاع الصحي تُسهم بتدني الانتاجية، كما نص قانون “جامون” (كلما ازدادت المدخلات، نقصت المخرجات بشكل عام في القطاع الصحي أي كلما زادت القوى العاملة الطبية والادارية، قل إشغال الأسرة)، إذًا مُعظم الإنفاق في مجال الموارد البشرية يكون على المناصب الإدارية، ويُؤثر مباشرةً على الانتاجية، ولاحظ خلال الثمان سنوات في الفترة (1965-1973) في نظام بريطانيا أن هناك زيادة في كوادر المستشفى 28% خاصة بالكادر الاداري بزيادة 51%، مع انخفاض مقداره 11% في معدلات شغل الآسرة وزيادة قائمة الانتظار، مما يجعلها من “النظم البيروقراطية” التي لها أثر اقتصادي، ففي عام 1948م وجد “جامون” أن القوى العاملة وصلت 350 ألف مُوظف، بينما في عام 2002م زادت إلى 882 ألف موظف بين عامي 1997 و2002م، زاد مديرو بنسبة لا تقل عن 47.6٪، مقارنة مع زيادة في القوى العاملة الى16٪. وفي الوقت نفسه، زادت المُمرضات فقط بنسبة 1.8٪، وتحول أكثرهم إلى مهام إدارية، وهو ما يُثبت أن التوسع في الموارد يقابلها في الإنفاق وانخفاض في الإنتاج، وهو ما اُطلق عليه “انهيار الثقب الأسود”. وكأنما شريعة حمورابي نموذجًا مُتقدمًا سابقاً لأزماننا، فمنذ أمد التاريخ وبالتحديد 1700 قبل الميلاد حتى عصرنا الحالي هناك فجوة فلكية في الكم والنوع مفهومًا وتطبيقاً في أوجه الحياة كافة خاصة الأدبيات الصحية ولقد تم استغلال وتسخير الطاقة العلمية عبر التنقيب والبحث في جذور الرعاية الصحية المرشدة عند حمورابي ودوره في تأصيل المفاهيم وتوثيقها، يقول حمورابي: “إن هذه الأحكام فرضت من أجل تأكيد الالتزام والانضباط الصارم والإدارة الجيدة في هذا البلد”. وقد اتبع القضاة تطبيق العقوبات التقليدية والقاسية “العَينُ بالعَينِ والسِّنُ بالسِّن” وذلك على القبائل السامية. كما تم فرض ما يُعرف بالمكافأة للأطباء حال النجاح أو العقوبة كما هو في حال الفشل، وهو ما ذكره بكل وضوح بأن الأطباء يستحقون التقدير المُجتمعي بجدارة مقابل عملهم بالأجر الملائم وفق ما تم الاتفاق عليه، ويتفق واللائحة التنظيمية، مُحدداً صوراً قاسية للعقوبات المحتملة وحظر الأطباء من مزاولة المهنة ووضعهم على القائمة السوداء إذا أرتكب خطأً نتيجة إهمال، أو قصد، فلا ملاذ من (قطع أيادي أو أصابع الطبيب)، مع المنع الفوري من مزاولة المهنة. وبهذا يرى البعض أنها ساهمت هذه السياسة في إحجام الأطباء عن مزاولة مهنة الطبابة في مجالاتها المختلفة. إلا أن مثل تلك العقوبات الصارمة أبعدت وميّزت الغث من السمين، ولم يبقَ في المهنة إلا الأكفاء. ليذكرها “ألن .د. سبيقل” في مجلة الرعاية الصحية المرشدة أواخر 1980م لقدد عادت كتب الطبخ البابلية المدونة على الأحجار الطينية قبل الميلاد بـ 1700 عام للسطح مرة أخرى. حيث يتساءل الأطباء الامريكيون، كيف أن إدارة الجودة الشاملة TQM في وقتنا الحالي، أصبحت أكثر وقعاً من قطع الأيادي في وقت حمورابي، التي كانت تطال مقدم الرعاية الصحية المتلاعب.
ليس من الرجعية أو المبالغة بمكان أن نقترح الاقتباس من أنظمة حمورابي – مع إجراء التعديلات اللغوية المناسبة- وتطبيقها في منظماتنا الصحية، إذ أن نُظُمُه قد حققت أهدافاً أخلاقية وقيمية نبيلة من خلال تأسيسه لمنهج “إداري حازم”، لاتباع القوانين بحذافيرها ومتابعته الشخصية لجميع الأنظمة في تطبيق شريعته التي تدعو إلي (العدل والحق والحكم) في القضايا البسيطة وفق سلطة واحدة، نقشها حمورابي “القوانين” على الحجر مما جعل لها الثبات والديمومة، وكأنه قصد من ذلك تكريسها في العقول، والتي يجدر بمنظمات الرعاية المُرَشّدَة المعاصرة تبنيها أو محاكاتها م وهنا كما كفل حمورابي قوانين حقوق الأحوال المدنية والشخصية حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق العبيد وحقوق القتل وحقوق الإصابات، ولم يزعم أنه سليل الآلهة واصفاً نفسه (خليل الالهة) أو ذو ذات إلهية.
وكما كان للفشل عقوبات، فإن للنجاح لدى حمورابي مكافئات مجزية، وهو ما يعرف في عصرناً بأسلوب “العصا والجزرة”.

وتتراوح العقوبات وفق حالتها. لكن العقوبات المتصلة بجودة الرعاية الصحية يمكن أن تخفف حسب الطبقة الاجتماعية، قياساً لمخرجات الرعاية الصحية، كما هو حال الإجراءات التصحيحية القاسية المتبعة حالياً لتحسين مزاولة الطبابة، مع الفارق بالتطبيق.
وأخيراً: يتساءل الأطباء الامريكيون، كيف أن إدارة الجودة الشاملة TQM في وقتنا الحالي، أصبحت أكثر وقعاً من قطع الأيادي في وقت حمورابي، التي كانت تطال مقدم الرعاية الصحية المتلاعب فما توصل اليه حمورابي من تطبيقات على أرض الواقع في الوقت الذي لايزال العالم بنُظُمِه الصحية المختلفة يتباحث ويناقش التطبيقات العملية التي طبقها حمورابي كمفاهيم جدلية ومبادئ حديثة.

أخصائي أول – سياسة وإدارة المنظمات الصحية

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkah-now.com/425291.html

2 التعليقات

  1. د. إبراهيم جلال

    يا ليت نتعلم قدمائنا للان متقدمين عنا

  2. د. إبراهيم جلال

    يا ليت نتعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مجمع بسنت
وسيط مكة الآن
تطبيق مكة الآن