بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

«

»

الغُلو الخَفي

طباعة مقالة

  4 1021  

الغُلو الخَفي





*الـغـُلـُــو الخَـفِـــيّ*

بقلم :خالد عبيد الصُمّاني

    الغُلُوّ فكرٌ وسلوكٌ مقيت يَتَرَدّى بصاحبه أنّى كان شأنه .. سواء كان الغُلُوّ إلى أقصى اليمين (مع) ، أو إلى أقصى اليسار (ضد)..

       وقد ينشأ الغُلُوّ نتيجة أسلوب التفكير ودينامية المحتوى المعرفي لدى الشخص ؛أو نتيجة تضافر خصائص بعض أنماط الشخصية.

– إذًا من الذي يُوصف بالغُلُوّ ؟
[ هو كل شخصٍ ينتصرُ لقناعاته وأفكاره باستخدام أقوال أو أفعال عِدائية تُلحِقُ أذىً أو ضررًا نفسيًا أو بدنيًا أو حُقوقيًا باﻵخرين ؛ في لحظة معينة أو باستمرار ] .
ومعظم من يمارس الغُلُوّ اللحظي يندمون بعد حين -كتأنيب من ضميرهم- ويندر أن يسلم أحدٌ من هذا الغُلُوّ في لحظة من لحظات عمره ، غفر الله لنا إسرافنا في ذلك .
أمّا من يُمارس الغُلُوّ المستمر فيَسْتَل من كل ممارسة غِوَايةً شيطانية جديدة تزيد من غُلُوّهِ وغيّه ، هداه الله وحمانا من ذلك

-من أشكال الغُلُوّ :
التطرف الفكري ، والديني ، والرياضي ، والمستغل لقوة السلطة ، واﻹقصائي للمخالف ، و… و…
ورُغم أن هناك منصفون تصدوا لهذه اﻷنواع من الغُلُوّ ؛ إﻻ أن هناك غُلُوّ خفي ؛ يخفى حتى على صاحبه !! وللأسف يخفى أيضًا على تمحيصِ وإنكارِ كثيرٍ من العلماء والمفكرين والمثقفين!! حتى تبنّاه الرُعَاعُ من الدهماء فزادهم سُفهًا وإسفافًا .

   ولهذا الغُلُوّ الخفي صورتان هما :
1⃣- التواطؤ على الغُلُو .
ويتضح ذلك في الواقع المرير لإعلامنا التقليدي والحديث .. عندما تصدر سقطة لسان أو زلة قلم أوخطأ إنسان من (شخص ما ، أو مسؤول ما ، أو جهة ما) تجد الجميع ومن كل اﻷعمار قد شمّر عن ساعديه للتصدي بالرد!! ليس للحدِّ من استمرار السقطات والزﻻت ، أو كشفِ مزيدٍ من حقائق الخطأ الذي وقع !! وإنما للاستمتاع بضلالات المشاركة في كتابة أو نشر الردود التي تتجاوز موضوع الخطأ لتطال شخص المخطئ ؛ ببذيء العبارات وفُحش المعاني ؛ دون اعتبارٍ لأبسط معاني العدل والإنصاف مع ما يستحقه المخطئ من تأنيب أو جزاء .
ولو تأملت كل ردِّ بذيءٍ على حدة من تلك الردود سيكون أقصى حكمك عليه هو قلة اﻷدب أو تدني ذوق صاحبه أو غفلته في أحسن حاﻻت الظن به.

    والخطير أن الردود حين تجتمع بهذا الكمّ الهائل تُصبح في مُجملها شكلاً من أشكال *التواطؤ على الغُلُوّ الجماعي الخفي*!! وحقيقة أجد نفسي غيرُ عاتبٍ على من يَعِدّ ذلك صورةً من صور التعاون على اﻹثم والعدوان لمجاوزته الحد العادل في الرد ّ.

   والمؤسف أن معظم المشاركين في هذا الغلو الخفي بتضليل من شغفهم بهوى السبق أو التميز بأقسى عبارات القدح المقيت تحت مسميات “قصف الجبهة أو الحشر”!!
والمؤلم حقيقةً هو مشاركة بعض المثقفين والمسؤولين والمشايخ في هذه المنقصة الخادشة لـ( عفاف ألسنتهم وبراءة ذممهم ونزاهة مكانتهم ) انجرارًا لهوى مسايرة تيار اﻻشتهار باﻻنتصار ..

       فهل نحن في جحود وغفلة عن لطف الله بستره لعيوبنا ؟! حتى تجرأنا على التشفي بهتك أستار عيوب اﻵخرين ونشرها !!

  يا مـن تَقـَدّسَ فـي عُـلاه من اﻷزَلْ
قلبـي المُتَيّمُ في رِحابـِكَ لم يَـزَلْ
أسراري يخفى على الخلائق قُبحُها
لجميلِ سترك ضاق سِـرّيَ بالخجل
ما لـي سـوى أمـــلٌ ألـوذُ بدمعـــه
للعفـوِ مِنْـك وهذا ظَنّي فيـك حَـلْ

2⃣- الغُلُوّ في الرد على الغُلُوّ .
ويظهر ذلك حين يواجه اﻹنسان شخصًا آخرَ مُتطرفًا في أفكاره ؛ فيتحول هو إلى متطرفٍ ثاني!! عندما ينتقل من الموضوعية في الرد إلى هوى اﻻنتصار بالردّ ؛ نتيجة عجزهِ عن الردِّ الموضوعي على المتطرف اﻷول ، أو نتيجة انفعاﻻت الغضب تجاه المتطرف اﻷول .
فتجده يقع في غُلُوِّ أشد درجةً من غُلُوّ المتطرف اﻷول ، فيفقد بذلك الخيرين : ( مساعدة اﻷول للتخلص من الغُلُوّ ، وتجنيب نفسه الوقوع في الغُلُوّ ).
وأقبحُ مثالٍ يُؤلم ضميرنا وموضوعيتنا لهذا النوع هو :
الغلُوُ في اﻹنكار على شطحات الغلاة في سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ؛ فتجده يغلو في إنكاره ورَدِّهِ ليُثبت للغلاة (تمام بشرية) رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتَرَدّى -والعياذ بالله- بغُلُوّه للانتقاص من (كمال عظمة إنسانية) خيرِ الخلق صلى الله عليه وسلم ؛ مُستندًا إلى :
– تقليدٍ أعمى .
– أو آراء سقيمة .
– أو استنباطات فاسدة .
– أو أحاديث يتعارض ظاهرها (البعيدِ احتماله) مع (صريحِ) آيات القرآن الكريم الجليّة في حقيقتها وبيانها !!
فاتقوا الله .. يا غلاة الضلال ويا غلاة اﻹنكار بالردّ قبل فوت الحدّ ؛ فلا تؤذوا الله بإيذائكم رسوله حتى ﻻ تُصيبكم لعنةُ الله في قوله : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُم اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا }اﻷحزاب 57 .

       وفسر بن كثير رحمه الله ذلك بقوله : (يقول تعالى متهدداً ومتوعداً من أذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك ، وإيذاء رسوله بعيب أو بنقص عياذاً بالله من ذلك … انتهى).
فيا غلاة الضلال واﻹنكار إنأوا بمقام حبيبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّا ﻻ يليق بمقامه ؛ فهو الذي تسامح مع أذَى أسلافنا طيلة حياته -فداه أبي وأمي- فلا تجعلوا مقامه موطنًا لفُحش ومقت نزاع خلافات سفهكم وجهلكم بغلوٍ من آرائكم وردودكم تُخفيه عليكم شرور تعصبكم وﻻ يخفى على عَلّام الغيوب ..
أﻻ يكفيكم أن تشعروا :
طَـهَ الرحيمُ ومن تَعَنّى ﻷجلِنَـا
ظُلمَ البعيدِ ومِن قريبٍ إذ جَهَـلْ
فتَجَشّـمَ اﻵﻻمَ قَصـدَ نَجَاتِهِــم
فتَجَشّمُوا إِيﻻمَ قصدِهِ فاحتمـلْ
ورَجَا اﻹلـهَ الخيـرَ مِـنْ أصﻻبِهِم
بِزًكِـيّ دمْـعٍ طَاهِـرٍ مِنـهُ انهمـلْ
بأبـِي وأمّـي افتَـدِي عَبـَرَاتَــــهِ
عجِزَ الوَفَا لمقامِ فضلهِ أن يَصِلْ
فوَرَبـّي ما شَـرُفَ الزمـانُ بمثلِـهِ
لِصِفاتِ حمـْدٍ فيهِ دومًا مُكتمِـلْ

وأﻻ يكفيكم أن تنعموا :

طَهَ المُصلِّي عليه مِنّا قَدِ اكتفى
همّ المقاصد واهتدينا به السّبُلْ
طَهَ الشفيعُ ومن لحُبِّـهِ نرتجـي
عندَ اﻷذانِ لـهُ الوسيلـةَ بالسؤُلْ
طَهَ الشفيعُ ﻷجلِ حُبِّـهِ خالقِي
ارحـمْ قلُوبًـا ارتَجَتْ فيكَ اﻷمَـلْ
صَـلِّ إلهِـي على حبيبـِي وآلِــهِ
والصحْبِ دومًـا ما بدَا بـدرٌ وفَـلْ

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkah-now.com/288686.html

4 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

  1. عبدالرحمن المسعودي

    تصنيف مميز وطرح عميق تساعد كثيرا في تشخيص غلو المتطرفين والغلاه.
    أحسنت أبا هتان أصبت الهدف

  2. شرف حكيم

    موضوع مهم وطرح قوي مع غزارة في الإسهاب ، وهذا ليس غريب عليك … تحياتي

  3. عبد الله محمد بلخي

    جزاك الله خير أستاذنا الحبيب
    المقال رائع يعالج ظاهر تعاني منها مجتمعاتنا
    أعجبني كثيرا
    بارك الله فيك
    نفع الله بك

  4. حسن يحيى الفيلالي

    فتح الله عليك أبا هتان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حساب التويتر
وسيط مكة الآن
تطبيق مكة الآن
التبرع بالدم
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com