بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

«

»

مزاحٌ مع الفارق

طباعة مقالة

  7 977  

مزاحٌ مع الفارق





مزاحٌ مع الفارق
بقلم أ-محمد النمري

 
أبدأ مقالي معكم أيها الأخوة والأخوات بهذا السؤال الذي يفرض نفسه في بعض مجتمعاتنا اليوم حول ظاهرة من الظواهر الاجتماعية المؤرقة والمؤلمة التي بسببها قد تحصل القطيعة بين الرحم المنهي عنها شرعا.
السؤال : يقول أحدهم والدي يمازحني بأفعاله فأحيانا يجرّني مع قدمي أثناء غفلة مني ، أو يضربني بكفه في مواضع من جسدي ،وأحيانا يمازحني بالقول فيسخر من شيء فعلته في وقت ليس للسخرية فيه مجالا، أو يلمزني بكلمات هدفه المداعبة والمزاح وتغير المزاج لدي وادخال السرور عليّ.
فهل يحق لي أن أبادله مزاحه فأرد عليه فعلا وقولا لادخل السرور عليه أو لأي غرض آخر؟
وأترك الإجابة للقراء الكرام وليس لمن تغيرت فطرهم وطباعهم وعاداتهم نظرا لتغير الزمان والمكان.
يقول محمد الطاهر بن عاشور

أنَّ من سفالة الأخلاق أن يستخفَّ أحدٌ بالقريب لأنَّه قريبه ، وآمِن من غوائله ، ويصرف برَّه وودَّه إلى الأباعد ليستكفي شرَّهم ، أو ليُذكر في القبائل بالذكر الحسن ، فإنَّ النفس التي يطوِّعها الشرُّ ، وتَدينها الشدَّة ، لنفس لَئيمة ، وكما ورد : ” شرُّ الناس من اتَّقاه الناس لشرِّه ” فكذلك نقول : شرُّ الناس من عَظَّم أحدًا لشرِّه واستهان به لطيبته.ا.هـ .
فالأب والأخوة الأكابر والأعمام والأخوال لو كانوا من أهل الشر والؤم لثبت حقهم وحفظت كرامتهم ورفع قدرهم وصاروا ممن يحترمون اتقاء لشرهم.
والغالب الذي عليه الفطر السوية أن الحق للأكرمين أولى وآكد فهم الأقرب الى القلوب بعفويتهم وملاطفتهم ومزاحهم فلماذا يدفع هؤلاء ضريبة قربهم وطيبتهم وملاطفتهم بقصد أو بغير قصد ، بينما أصحاب الغلظة في مقام رفيع وحفيظ للكرامة والقدر.
إن ملاطفة الأب لأبنائه أو الأخ الأكبر لأخوته الأصاغر لا يعني فتح الباب على مصراعيه وترك المجال لهم مفتوحا لتلقي سلوكيات نابية من نشء مراهق قد يشبون عليها ويورثونها فيما بعد لأجيالهم لايحفظ فيها للكبير قدراً ولا يحترمون له مكانة.
ينبغي للآباء والأمهات توضيح الفوارق الاجتماعية لأبنائهم ورسم الحدود التي ينبغي أن تحترم عند التعامل مع كبير السن والقريب مهما كان ذلك القريب منفتحاً معهم بمزاحه وملاطفته.
لقد شاهدت يوما ما شبابا في سن المراهقة يمازحون قريباً يكبرهم بعشرات السنوات يسكبون عليه عبوة من الماء أثناء غفلته في وسط دهشة وضحك من الحضور وهم بين ناقد ومشجع.

كان ذلك المشهد أمام ناظري مما أصابني بالذهول والدهشة وانكاره في حينه رغم مصادمة بعض الحضور لي حينها ، مستندين على أن الكبير هو من بدأ بذلك المزاح.

تلك هي الأفهام المختلة التي لا يتضح لها الوقوف مع الفارق ولا تراعي الفوارق بين الكبير والصغير والابن والعم.

ماذا لو كان هذا القريب صاحب غلظة وسطوة وشر اليس من المؤكد أن يكون قد حفظ قدره وفرض احترامه لدى الأقربين والأبعدين.

وبمنطوق آخر هل لابد لهذا القريب أن يكون صاحب شر وغلظة ليفرض احترامه ويحفظ قدره ومكانته.

وشخص آخر أيضاً يمازح أباه بمزاح لاينبغي أن يكون الا بين الصديق وصديقه، وتجده غير آبه لبر والدين ولا لصلة رحم ، قد ذابت لديه الفوارق الاجتماعية فهان عنده كل شيء.
إن ممازحة الكبير للصغير القريب والبعيد جاءت بها السنة النبوية فقد كان صلى الله عليه وسلم يلاطف ويمازح صحابته وكان مزاحه صلى الله عليه وسلم صدقا وحقا.
لكن لم ينقل الينا رد الصغير على الكبير مكانة وسنا مزاحه، مهما كان ذلك النوع من المزاح.

فعلى الشباب والأبناء أن يتأدبوا بآداب الاسلام عامة، فمن العيب البين الواضح للعقول السليمة والافهام الصحيحة الرد بالمثل مزاحاً أو غيره على من يكبرهم من أقاربهم ومن غيرهم من عامة الناس فالكبير له حقه واحترامه أيّا كان موقعه والكبير القريب أولى بذلك الاحترام.
وديننا أمرنا بحفظ حقوق الأقربين لا ضياعها وأدبنا بصونها حتى مع الأبعدين بل وجعل توقير اكرام الكبير من اجلال الله تعالى كما جاء في الأثر قال صلى الله عليه وسلم ( إن من إجلال الله تعالى اكرام ذي الشيبة المسلم ) وقال عليه الصلاة والسلام ( ليس منا من لم يوقر كبيرنا)
اسأل الله عز وجل أن يبصرنا بما يقربنا ويؤلف قلوبنا انه سميع مجيب

وأشكركم على القراءة

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkah-now.com/279224.html

7 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

  1. بدر علي

    جزاك الله خيراً شيخنا الفاضل
    وكم نحن بحاجه لمثل هذه التعليمات ، والشرح في أصول التربية المحمديه.

  2. سميرالسامر

    مبدع دائماً أما انا فرأيي الشخصي ان للمزح حدود ووقت وخط احمر لا يتجاوزه الشخص مراعاة لمشاعر الطرف الآخر سواءاً كان كبير او صغير وكما تفضلت للكبير احترامه وتقديره اياً كان وعند تجاوز الكبير حده فهناك عدة طرق لتوضح انك غير راضي عن المزح مثلاً المجامله بالابتسامه فقط الاستئذان بأدب من المجلس وعدم الخوض في مجادله مع الممازح

  3. Malhothali

    عوداً حميداً وقد أتحفتنا بهذا المقال الرائع.

  4. ابو سيف

    جزاك الله خير أبا عبدالله مقال رائع في الصميم وللأسف كثر في هذا الزمن من يتصف بهذه الصفات وهنا اتسال هل البيت والتربية لها دور في احترام الصغير الكبير وتوقيره؟ أم أن مجتمعنا تغير في عاداته وتقاليده واعتقد والله أعلم ان التقنية والقنوات والانفتاحية مسخت شعيرات الاحترام بين الناس
    تقبل مروري دمت بصحة وعافية.

  5. عبدالرحمن جان

    جميل جدا المقال

  6. عادل العمدة

    والله صدقت يابو عبدالله

  7. جلال الدغاس

    تسلم والله يا أبا عبد الله يشهد الله إنها في الصميم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حساب التويتر
وسيط مكة الآن
تطبيق مكة الآن
التبرع بالدم
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com