بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

«

»

أوراق شايب

طباعة مقالة

  4 1879  

أوراق شايب





أوراق شايب

 

 

 

بينما كنت في سفر إلى جنوب مكة قبل نحو شهر تقريبا بالتحديد كانت وجهتي بالقرب من الساحل الغربي ساحل البحر الأحمر أخذت قسطا من الراحة في إحدى الاستراحات بحثا عن طعام أسد به رمق الجوع ، وجدته يحتسي كوبا من الشاي في تلك الاستراحة حيث جمعتني به الصدفة المحضة..فرب صدفة خير من ألف ميعاد، وعلى وجهه علامات البؤس والمشقة ،اقتربت منه وفي داخلي شفقة ورحمة بهذا الشايب الذي كابد وعانى في الحياة الأمرين ،نثر قصته والدموع تسابق الكلمات والقلب يئن تحت وطأة المعاناة ،يتلعثم اللسان ولايكاد يبين ،قلبه ينبض ألم،يحاول أن يلملم حروفه المبعثرة ،يجمع شتات الكلمات ليعبر عما بداخله ،يحكي مواقف متفرقة وكأنها متسلسلة منذ نعومة أظفاره إلى أن بلغ من العمر عتيا حتى أودت به في هاوية الفقر والعوز والمرض والوحدة والهموم والأحزان!، لقد فاته قطار الزواج البائس في نظره ،حيث لم تشفع له السنون الطويلة أي نصف قرن من الزمان في الحصول على زوجة يأوي إليها ،رغم محاولاته المتعددة لكن المرض والفقر حالا بينه وبين ذلك،وأصبح يتكىء على جدار العزلة لا أنيسا ولازوجة ولا صديقا ولا أهلا ولا ولدا،يتجرع الوحدة علقما يرى الناس من حوله يحتفلون بالمناسبات المختلفة من زواجات وأعياد ومناسبات خاصة وهي عنه في معزل ،ولم تسلمه الأمراض المختلفة إذ نالت منه هي الأخرى ،جلطة وهشاشة عظام وضغط ..إلخ اختلفت الأمراض ولكن الألم واحد،تكالبت عليه الهموم والأحزان وكل أمله غرفة تقيه من حرارة الشمس الحارقة إلى جانب البرد القارص، وكأن أحلام الصبى تبخرت وذهبت أدراج الرياح وانحصرت بل تلخصت في هذا الحلم الصغير الذي هو عاجز عن تحقيقة!، إنه ” العم أحمد ” ذلك المسن الذي يبلغ من العمر 60 عاما صال وجال باحثا عن لقمة عيش يسد بها رمقه متنقلا بين الحرف والمهن ولكن المرض اقعدة عن العمل ،وأصبح عاجزا عن القيام بأبسط الأعمال ،يقول : ” عملت في جمع الحطب وانتقلت إلى تربية الأغنام ثم الإبل وأخيرا بيع المساويك ،ويتذكر بحثه عن زوجة تشاركه حياته إلا أن ظروفة المادية والأمراض المتتالية حالت بينه وبين ذلك الحلم، وغادرت عربة الزواج ولم يكن على متنها! ” ،ولفت في حديثه الباكي إلى أنه تعرض لجلطة أصابت يده اليمنى بشلل ليصبح عاجزا عن القيام بالأعمال الشاقة ، وتابع في حديثه لي بين أروقة تلك الإستراحة حيث قال : ” أعتمد على ما تقاضاه من مبلغ زهيد من الضمان الاجتماعي وهو800ريال يذهب نصفه أجرة لمن يوصلني إلى أقرب مكينة صراف آلي والنصف الآخر تتقاسمه المطاعم والبقالات بيد أن جميع حاجياتي من خارج غرفتي المظلمة التي لايوجد بها أغراض للطباخة ولايوجد بها تيار كهربائي سوى أثاث بالي أكل الزمان عليه وشرب ” ،ويستطرد : أنام في العراء والظلام والوحشة تسودان المكان ،وأضاف أتمنى غرفة بها تيار كهربائي لأعيش كباقي البشر فأنا انسان ولي حق الإنسانية قبل كل شيء ،وأردف لا أمتلك سيارة وأذهب إلى المركز الصحي والذي يبعد 7كم إذا مرضت على قدمي وكذلك الأسواق ،وتساءل هل أنا أعيش في كوكب غير الذي يعيش فيه البشر ؟! أم هو قدري الذي ساقني إلى هذه الحياة وأن أعيش فيها مختلفا عن الناس؟!

 

 

 

بقلم : أ- عبدالرزاق البجالي

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkah-now.com/246993.html

4 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

  1. ابوحمد البجالي

    جميل هذه القصه الحقيه والحزينه في ظلوع من قراءها أسأل الله أن يعين أهل الخير للارءفه به ويجعلها في موازين حسناتك
    ياناقل الخبر انت ومن ساعده على طلبه

  2. زياد الزهراني

    قصة مبكية جدا
    أبدعت في إخراجها بهذا الأسلوب الجذاب ..

  3. أبو خالد

    الله يكن في عونه وجزاك الله خير على هذا النقل الأكثر من رائع لقد وضعت القاري في الصورة وكأنه يتحدث له ذلك الشايب
    شكرا لقلمك

  4. Miss

    القصه تقطع القلب وسردك للقصه ملفت الله يوفقك ويرزقه ولكل شي حكمه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حساب التويتر
وسيط مكة الآن
تطبيق مكة الآن
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com