بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

«

»

عائدٌ من الموت

طباعة مقالة

  0 529  

عائدٌ من الموت





اعتقد أن هذا اليوم كان يوماً فارقاً في حياتي القصيرة ، تعلمت درساً من العيار الثقيل، لم يكن الدرس عبارة عن معلومة لا أعرفها بل كان في معلومةً طلما تغنيت بمعرفتي لها و حرصت على نشرها بين الناس، لكن الذي حدث في ساعتين هو أني أخذت الدرس تطبيقا لا تنظيرا.
كان يوماً طبيعياً مألوفا من أيام السياحة الخارجية التي أصبحت معتادة لديّ خاصةً أني كثير سفر و سبق لي الاقامة خارج الوطن لعدة سنوات. استيقظت صباحاً و ايقظت صاحبي، صلينا الفجر ثم عدة ادارجي للقيام ببعض التمارين العلاجية لركبتين أنهكها وخز الإبر و آلمتهما الأمراض.
إنتهت من التمارين لأبدأ في تناول العلاج الذي يفوق يومياً الـ20 حبة من مختلف الأدوية للكلى و العظام و الضغط و نقص الفيتامينات و علاج الذاكرة .
بداية معتادة ليّ جمّلها أجواء محافظة تگادي الهندية. و رفقة صاحبي.
ذهبنا للإفطار في مطعم فندق(غرين وود ) الهادئ الجميل بفريق عمله و تعامله .
إنتهينا من ذلك سريعاً، عدنا لغرفتنا حزمنا حقائبنا إلى محبوتي( مدينة مونار )حدثت صاحبي عنها كثيراً، جمالها، انهارها ، ضبابها، حقولها، فنادقها ، شلالتها، إلى آخر موشحات العشق و الهيام في محبوتي.
طوال الوقت كنت ألفت نظره لكل صغيرة و كبيرة في الطريق، اذكره و يذكرني، نسبّح ، نهلل ، نتعجب ، لم اترك السيارات و تعاملات السائقين في هذه المنحنيات من التعليق و لا وجوه المارة صغاراً و كباراً من التأمل و الإشارة .
مرت الساعات الأربع – و ربي – و كأنها ساعة أو أقل .

تخللنا في الطريق بعض التوقفات لالتقاط الصور التذكارية، كنت على أحر من الجمر للوصول للشبكة لمشاركة الأحبة هذه الصور.

دلفنا مونار من بوابة الجمال، و صاحبي يقول لي : صدقت بكل التفاصيل التي ذكرتها لي ليلة البارحة و صباح اليوم.

أعدت الكرّة بحزمة وعود تنتظرنا غداً.
جاءت الشبكة و جاء معها سيل الأخبار عن حرارة مرتفعة و موجاتٍ غير اعتيادية و إقفال بعض المطارات بسبب الغبار و الأتربة.
ما أن دخلت الفندق حتى ارسلت الصور فرحاً جذلانا.
سريعاً أنهينا إجراءات الدخول ، أخترت غرفةً في الأسفل كي لا تزيد الآلام معي.
دخلنا في الغرفة بدأنا بالصلاة و ما أن انتهينا منها ، حتى تحولت الدنيا في عيني خلال لحظات إلى موتٍ قاتل ، انهيار تام في وظائف الجسم، رعاش شديد، عدم قدرة على القيام، صداع يكاد يخطف البصر قبل الرأس، عجز و لا شيء غير العجز.
ظن صاحبي أني امازحه أو أبالغ ، و لكنه أدرك سريعاً أن هناك أمراً يفوق هراء المزاح.
في تلك اللحظات مر على شريط حياتي سريعاً اختزل 40 سنةٍ مرت عليّ يطوي المسافات و الأشخاص و المواقف في أجزاء من الثانية.
رأيت والديّ و هما يربيان و يشجعان و يعاقبان ، تخيلت صاعقة الموت يوم أن تنزل على من يحبني و ينتظرني( الأم الأب الزوجة الأولاد الأخوة الأخوات الأقارب الأصدقاء )كلهم كنت معهم قبل لحظات امازحهم في حرارة جوهم و برودة الجو عندي.
فإذا بالنار تشتعل في بدني ، و إذا ببرودة الجو تتحول إلى فصلٍ من فصول الألم.
الأمر ليس جمال طبيعة و لا روعة أجواء إنها العافية و لا شيء غيرها.
أسقط في يد صاحبي، توادرته الخواطر، عرض عليّ مراراً الذهاب إلى المستشفى و لكني رفضت تماماً لسببين الأول ما لدي من أمراض و ضعف للمناعة يجعل الدخول للمستشفى بالنسبة لي خطراً قائماً و أنا صحيح معافى فكيف أثناء الوهن – بل إنهيار البدن -.
السبب الثاني ما حدث لي ليس له أي سبب مباشر فيما أظن و لا أعتقد أن أحداً يستطيع رفعه إلا الله عز و جل، لذلك قررت الاستسلام التام لمن بيده تفاصيل الحياة كلها.
وقف صاحبي(عايد بن عطيان الشراري ) موقف الرجال مما لا أملك معه أن اجازيه إلا بالدعاء، فما فعله كان أكثر بكثير مما كنت احتاجه ، خاصة مع رفضي للذهاب إلى المستشفى.
و موافقته ليّ على مضض و محاولته في عمل كل ما يمكنه و اقتراح كل ما يعرفه من وسائل .
ذلك الإنهيار-التام- لم يتجاوز النصف ساعة لكنه استحضر أربعين سنةٍ ماضية و ما لا يقل عنها لاحقة، غير استدعاء المصير و المآل.
لم يكن التفكير منصباً على المال جمعاً بل على كيف كان ممكن أن أقدمه أمامي.
اختفت صور الفلاشات و المشاركات و الدورات و الاستشارات و برز سؤال عن أمرٍ صغير( لمن كانت ) نيتها.
الزوجة و الأولاد تعلقا بالرحم و الرحمة في عمق الإحساس، فكيف سيواجهان الحياة، و ماذا سيقدمان لفقيدهما، و كيف سيكملان الطريق دونه. و إلى أي حال سينتهون.
الأخوة و الأخوات و الأقارب و الأصدقاء تأملوا معي :
الهجر… القطيعة.. الغدر.. الغيبة.. الاستعلاء.. الكبر.. الكذب.. الخديعة كم هي حقيرة هذه المعاني و كم هي قصيرة حتى لو تلبسناها.

قد تكون من المرات القلائل التي أشعر أن الحروف تستعصي عليّّ و أن القلم لا يطاوعني.
هناك ما لا يقال حياءً من الله قبل الناس و هناك ما يستطع الحرف وصفه مهما بلغ من البلاغة.
هذه الخاطرة كتبها عائد من الموت ، و سطرها حيٌ ينتظر الأجل.
قد تكون رسالة ليّ أو لمن حولي أو لك أنت أيها القارئ.
فالحياة الدنيا( متاع قليل)حقاً ، و هي( متاع الغرور ) فعلاً ، و هي دار العطاء و البناء و الزرع ثم الفناء و الجزاء ، مهما اختلفت تفاصيل عيشها زماناً و مكاناً و حالا.

بقلم:أ- سعد الشراري

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkah-now.com/238709.html

حساب التويتر
وسيط مكة الآن
تطبيق مكة الآن
التبرع بالدم
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com