بترخيص من وزارة الثقافة والإعلام

«

»

لانريد قروب يجمعنا وقلوبنا شتى

طباعة مقالة

  0 522  

لانريد قروب يجمعنا وقلوبنا شتى





استلمت زمام القيادة ، وحركت سفينتي لأعبر بها عباب البحر ، متوكلا على ربي ، وفي طريقي ، رأيت رجلا برتبة طيار ، فقلت في نفسي لعله ينفعنا ، فاركبته معي ، وعلى الشاطئ رأيت مجموعة أخري ، يؤشرون لنا
فأوقفت السفينة ، وأركبتهم معي ، وأكتمل النصاب ، ووصلنا إلى الحد المسموح به .
وأنا في الطريق ، تلاطمت الأمواج ، واظلم الليل ، وأرعدت السماء ، واجتمع مطر السماء ، مع ماء البحر ، وأحسست بالخطر، وقلت في نفسي ، كيف لو كنت وحدي ، كيف سيكون شعوري ، فاستنجدت بمن شاركوني في رحلتي للمجهول ، فرأيت كل واحد منهم
يسعى لإنقاذ نفسه ، ونسي أننا كلنا معا في قارب واحد وان غرقت السفينة فسنغرق جميعنا بلا استثناء ، صحت عليهم ، ناديت ، ولكن لا أعرف أسماءهم ، حاولت أن أوصل لهم بلغة الإشارة لعلهم يفهمونها ، ولكن دون جدوى ، لم أجد من يلبي النداء .
ذلك هو قروب الواتس أب ، الذي ترى فيه أرقام وأسماء ، بلا حس أو شعور .
نعم يشتكي البعض في المجموعة من قضايا وأمور تهمه أو تهم قريبه أو يحتاج إلى مشاركة في الرأي ، فلا تجد من يصغي له
أو يهتم بأمره ، مع وجوده متصلا .
عشنا سنوات ليست بالقليلة ، عاصرنا زمان كان ملئ بالفتن ، كان الناس ظروفهم المعيشية صعبة للغاية ، كنا نأتي لزيارة بعضنا مع بعد المسافة ليلا أو نهارا ، صيفا أو شتاء،ليس الا للاطمئنان والسؤال عن الحال.كنا نقطع المسافات الطويلة بآلاف الكيلوميترات حتى نرى أخاً لنا ليس بيننا وبينه رابطة نسب او قرابة .
وكان الجميع على قلب رجل واحد ، وكانت الزيارات لا تنقطع ، مع صعوبة الاتصال والتواصل ، والآن وقد صار التواصل ميسرا ، انكمش البعض ، وعاشوا في كهوفهم ، متناسين أن الناس بالناس.
متناسين أن الدنيا دول ، متناسين أننا عشنا
حياة لها ذكريات جميلة ، وكانت من أروع الأيام ، فهل استغنينا عن بعض لأننا أصبحنا في مراكز وأماكن مرموقة ، أم أنها ظروف الحياة ومصاعبها غيرت نفسياتنا فذهب جمالها وبريقها؟ !!
لماذا لا تعود تلك الأيام الجميلة ؟!
نحن في زمن الاتصال بلا تواصل ، نحن في زمن التقارب في قروبات تكاد تجزم أنها مستحيلة الحل ” مجموعة خالية” إلا من الأسماء والأرقام .
لماذا كل هذا الهجر ، ونحن ندعي أننا نصلي الفجر ؟!
لماذا كل هذا البعد ، ونحن ندعي القرب ؟!
لماذا لا نذكربعضنا إلا عندما نحتاج شئ؟!
تجد انك مع انشغالك تتفاجأ باتصال من رقم غريب ، فترد فإذا به فلان ، الله أكبر ، فلان
اتصل أخيرا ، وتسأل عنه وعن أحواله ، فيجببك ببرود وكأنه لا يعرفك ، ولم يكن بينه وبينك لقاء ، هلا ، حياك ، والعجيب انه لم يتصل ليطمئن عليك بل اتصل ليستفسر عن أمر أو شيء يهمه هو فقط ، وحينها يزداد حزنك ، ويضطرب قلبك ، وينكسرخاطرك ، لأنك انصدمت من موقف صديقك الذي توقعت انه اتصل بك ليسأل عنك فقط وشوقا إليك .
ترد عليه ببرود ، وقلبك يتقطع الما من الداخل ،” اشوف وارد عليك ” ، وهي تعتبر في زمننا هذا ، من أدوات التصريف .
تغلق سماعة الهاتف ، وتعمل حضر للرقم ، وأنت تتقطع من داخلك،ثم تلقي بهاتفك جانبا وتذهب إلى حياتك لتكمل مسيرتك وتسعى لكسب رزقك ، ولسان حالك يقول :
” متى احصل على من يسأل عني فقط ؟!!
متى أجد من يفرح بلقائي ويتالم لفراقي؟!
فترد بنفسك على نفسك ” لا جديد ، ونحن بحثنا عن الصديق ، وتناسينا القريب والحبيب”
ياتيك صوت من داخلك ، ليخبرك أن هناك من ينتظر اتصالك ، ومشتاق لرؤويتك ، ولكنك عاملته بالنكران ، فهل جزاء الاحسان إلا الإحسان ؟!!
لعل الأيام القادمة ، تعيد من كنت تعتبرهم يوما أصدق الناس .

 

 

بقلم /أ- عبدالله الحارثي

وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.makkah-now.com/229343.html

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حساب التويتر
وسيط مكة الآن
تطبيق مكة الآن
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com